الأحد 11 صفر 1448 هـ || الموافق 26 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    نور القرآن - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم    ||    عدد المشاهدات: 5

تنزيه الله عن الولد، وكمال قدرته، ورحمة القرآن بالمؤمنين

[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (38)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
﴿**وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۖ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ۝١١٦ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ۝١١٧ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ۝١١٨ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۖ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ۝١١٩﴾.

افتتحت هذه الآيات بإنكار واحدة من أعظم الجرائم في حق الله عز وجل، وهي نسبة الولد إليه، وهي مقالة قالها طوائف من اليهود والنصارى والمشركين، فردها الله بأبلغ رد، جامع بين التنزيه، وإقامة البرهان، وإظهار كمال ملكه وقدرته.

قال سبحانه:
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ﴾.

أي تنزه الله وتعالى وتقدس عن هذا القول الباطل، فإن الولد إنما يحتاج إليه من يلحقه الضعف، أو يريد بقاء النسل، أو يطلب المعين، والله سبحانه غني عن خلقه، كامل في ذاته وأسمائه وصفاته، لا يلحقه نقص بوجه من الوجوه.

قال تعالى في سورة الإخلاص:
﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.

ثم أقام البرهان فقال:
﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾.

فجميع الخلق ملكه وعبيده، خاضعون لسلطانه، منقادون لأمره الكوني، فكيف يكون بعض مملوكاته ولدًا له؟! إن المالك لا يكون المملوك ولدًا له، وإنما الجميع عبيد لله، مفتقرون إليه.

ثم قال سبحانه:
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.

أي هو الذي أوجد السماوات والأرض على غير مثال سابق، وأبدع هذا الكون العظيم من العدم، ومن كانت هذه قدرته، فلا يعجزه شيء، ولا يحتاج إلى ولد ولا معين.

ثم قال:
﴿وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.

وهذه من أعظم الآيات الدالة على كمال قدرة الله، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه كما في صحيح البخاري:

«كذبني ابن آدم ولم يكن ينبغي له أن يكذبني، وشتمني ابن آدم ولم يكن ينبغي له أن يشتمني، فأما تكذيبه إياي فقوله: إني لا أعيده كما بدأته، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الله الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد).

ثم انتقلت الآيات إلى بيان طبيعة أهل العناد فقال تعالى:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾.

أي طلبوا من الآيات ما ليس قصدهم به الهداية، وإنما التعنت والمكابرة، ولو جاءتهم كل آية ما آمنوا حتى يروا العذاب الأليم.

ثم قال:
﴿كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.

فالأزمان تختلف، لكن القلوب إذا امتلأت بالكبر والعناد تشابهت أقوال أصحابها، ولهذا تتكرر شبهات المكذبين عبر التاريخ، وإن اختلفت أسماؤهم ولغاتهم.

ثم قال سبحانه:
﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.

فالانتفاع بالقرآن ليس لمن كثرت أسئلته، وإنما لمن صفا قلبه، وصدق في طلب الحق، فإن الله يفتح له من الفهم والهداية ما يحجبه عن أهل العناد.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه:
(من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين).

ثم خاطب الله نبيه صلى الله عليه وسلم تسلية له فقال:
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾.

أي مهمتك البلاغ والبيان، تبشر المؤمنين بالجنة، وتنذر الكافرين من النار، وليس عليك أن تحمل الناس على الإيمان قهرًا، فإن الهداية بيد الله.

ثم قال:
﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾.

أي لست مسؤولًا عن كفرهم بعد أن بلغت الرسالة وأقمت الحجة، وإنما حسابهم على الله.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه:
(إن مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم، إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء، فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا فانطلقوا على مهلتهم، وكذبت طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق).

فمن استجاب نجا، ومن أعرض فإنما يجني على نفسه.

رسائل الآيات إلى المسلم

الأولى: أعظم التوحيد تنزيه الله عن كل نقص، ومنه نفي الولد والشريك عنه سبحانه.
الثانية: كلما تأملت خلق السماوات والأرض ازددت يقينًا بكمال قدرة الله وعظمته.
الثالثة: المعاند لا تنفعه كثرة الأدلة، وإنما ينتفع بالآيات من طلب الحق بإخلاص.
الرابعة: تشابه الشبهات عبر العصور دليل على تشابه القلوب، فاعتصم بالوحي ولا تغتر بزخرف الباطل.
الخامسة: اليقين مفتاح الانتفاع بالقرآن، فكلما ازداد يقينك ازداد فهمك وهداك الله.
السادسة: وظيفة الداعية البلاغ بالحكمة والرحمة، وليس هداية القلوب، فإن الهداية بيد الله وحده.
السابعة: لا تطلب من الوحي ما يوافق الهوى، بل سل الله قلبًا خاشعًا يذعن إذا تبين له الحق.

إن هذه الآيات تملأ القلب تعظيمًا لله، وتغرس فيه كمال التوحيد، وتبين أن الله غني عن خلقه، كامل في أسمائه وصفاته، وأن قدرته لا يعجزها شيء، وأن القرآن إنما يهدي القلوب الموقنة، أما القلوب المعرضة فإنها تزداد بالآيات عنادًا. فمن طهر قلبه من الكبر، وأكثر من تدبر القرآن، وأقبل على الله بقلب صادق، رزقه الله يقينًا يملأ قلبه، ونورًا يبصر به الحق، وثباتًا لا تزل معه القدم.

معاني مفردات الآيات

سبحانه: تنزه وتقدس عن كل نقص.
قانتون: مطيعون خاضعون لله.
بديع: المبدع المنشئ على غير مثال سابق.
قضى أمرًا: أراد إيجاده وأحكمه.
كن فيكون: يكون كما أراد الله بلا تأخر ولا عجز.
تشابهت قلوبهم: تماثلت في الكفر والعناد.
بشيرًا: مبشرًا للمؤمنين بالجنة.
نذيرًا: منذرًا للكافرين والعاصين من عذاب الله.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام