ملة إبراهيم، وحقيقة الإسلام، ونجاة الإنسان يوم القيامة
[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (43)]
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
قال الله تعالى:
﴿وَمَن يَرۡغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبۡرَٰهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفۡسَهُۚ وَلَقَدِ ٱصۡطَفَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٣٠ إِذۡ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسۡلِمۡۖ قَالَ أَسۡلَمۡتُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٣١ وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبۡرَٰهِيمُ بَنِيهِ وَيَعۡقُوبُ يَٰبَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٣٢ أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ حَضَرَ يَعۡقُوبَ ٱلۡمَوۡتُ إِذۡ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعۡبُدُونَ مِنۢ بَعۡدِيۖ قَالُواْ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَآئِكَ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗا وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ١٣٣ تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٣٤﴾.
بعد أن بين الله دعاء إبراهيم عليه السلام، وحرصه على إقامة التوحيد في ذريته، انتقل إلى بيان أن دين إبراهيم هو دين الفطرة، وأن الإعراض عنه ليس إلا سفهًا وضلالًا.
قال تعالى:
﴿وَمَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾.
أي لا يترك دين إبراهيم القائم على توحيد الله وإخلاص العبادة له إلا من ظلم نفسه وأوردها موارد الهلاك.
فأعظم السفه أن يعرف الإنسان الحق ثم يعرض عنه، أو يستبدل التوحيد بالشرك، والسنة بالبدعة، والهدى بالهوى.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه:
(كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه).
فدين الله هو الموافق للفطرة السليمة، والانحراف عنه فساد في العقل والقلب.
ثم قال سبحانه:
﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
فجمع الله لإبراهيم شرف الدنيا والآخرة؛ اصطفاه بالنبوة والخلة والإمامة، وأكرمه في الآخرة بأعلى المنازل.
وهذه سنة الله؛ أن من أخلص لله رفعه في الدنيا والآخرة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:
(إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد).
ثم قال تعالى:
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ما أعظم هذا الجواب! لم يتردد إبراهيم، ولم يسأل: لماذا؟ وكيف؟ وإنما بادر إلى الاستسلام الكامل.
فحقيقة الإسلام هي الانقياد لله ظاهرًا وباطنًا، والرضا بحكمه، والتسليم لأمره.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه من حديث انس بن مالك:
(ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار.).
فإذا امتلأ القلب بمحبة الله سهل عليه التسليم والانقياد.
ثم قال سبحانه:
﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾.
أي أوصى أبناءه بأعظم وصية، وهي الثبات على الإسلام.
فلم يوصهم بجمع الأموال، ولا بكثرة الدنيا، وإنما أوصاهم بالدين؛ لأنه رأس المال الحقيقي.
ثم قال:
﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
وليس المقصود أن يملك الإنسان وقت موته، وإنما أن يلازم الإسلام في كل لحظة؛ لأن الموت يأتي بغتة.
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند الترمذي وغيره، يكثر أن يقول:
(يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك).
ثم قال تعالى:
﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾.
يبطل الله دعاوى اليهود الذين زعموا أن يعقوب مات على اليهودية.
فقد شهد القرآن أن آخر وصاياه كانت سؤال أبنائه عن التوحيد.
﴿قَالَ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾.
فلم يسألهم عن الأموال، ولا عن الميراث، وإنما عن العقيدة؛ لأنها أعظم ما يحمل الإنسان إلى ربه.
فقالوا جميعًا:
﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
فهذه شهادة عظيمة على أن دين الأنبياء جميعًا واحد، وهو توحيد الله وإخلاص العبادة له.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري:
(الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد).
أي أن شرائعهم قد تختلف، أما أصل العقيدة فهو واحد.
ثم ختم الله هذه الآيات بقوله:
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
فلا ينفع الانتساب إلى الآباء والصالحين مع ترك العمل.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:
(ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه).
فالعبرة عند الله بالإيمان والعمل الصالح، لا بالأسماء والأنساب.
رسائل الآيات إلى المسلم
الأولى: أعظم الخسارة أن يعرض الإنسان عن التوحيد والحق بعد ظهوره، فإن ذلك من سفه النفس.
الثانية: الاستسلام لله هو حقيقة الإسلام، فكلما ازداد العبد تسليمًا ازداد قربًا من ربه.
الثالثة: خير ما يورثه الآباء للأبناء هو العقيدة الصحيحة والثبات على الدين، لا الأموال وحدها.
الرابعة: ينبغي للمؤمن أن يهتم بحسن الخاتمة، فيعيش كل يوم على طاعة الله، فإن الموت يأتي فجأة.
الخامسة: أول ما ينبغي أن يشغل الوالد عند موته صلاح دين أولاده، كما فعل يعقوب عليه السلام.
السادسة: جميع الأنبياء دعوا إلى توحيد الله، فمن فرق بينهم في أصل الدين فقد خالف القرآن.
السابعة: لا يغتر أحد بصلاح آبائه أو نسبه، وإنما النجاة بالإيمان والعمل الصالح.
إن هذه الآيات تغرس في القلب معنى التسليم لله، وتعلمنا أن أعظم ميراث يتركه الإنسان هو التوحيد، وأن شرف النسب لا يغني عن صاحبه شيئًا إذا فرط في العمل، وأن طريق النجاة هو أن يلقى العبد ربه مسلمًا موحدًا ثابتًا على دينه، مقتديًا بإبراهيم ويعقوب ومحمد عليهم الصلاة والسلام.
معاني مفردات الآيات
ملة إبراهيم: دينه القائم على التوحيد والإخلاص لله.
رغب عن: أعرض وترك.
سفه نفسه: جهل قدرها وأهلكها بالضلال.
اصطفيناه: اخترناه وفضلناه.
أسلم: انقد وخضع لله وحده.
وصى بها: أوصى بدين الإسلام والثبات عليه.
اصطفى لكم الدين: اختار لكم خير الأديان وأكملها.
شهداء: حاضرين.
تلك أمة قد خلت: جماعة مضت وانقضى زمانها.
لها ما كسبت ولكم ما كسبتم: لكل إنسان عمله وجزاؤه، ولا يحمل أحد عمل غيره.