الأربعاء 14 صفر 1448 هـ || الموافق 29 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    نور القرآن - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم    ||    عدد المشاهدات: 5

تحويل القبلة وتمام الاتباع

[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (46)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَاۚ قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُۚ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝١٤٢ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًاۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ۝١٤٣﴾.

بعد أن أبطل الله دعاوى أهل الكتاب، وبين أن النجاة إنما تكون بالإيمان والعمل الصالح، ذكر حادثة عظيمة من حوادث التشريع، وهي تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة.

ولم يكن هذا التحويل مسألة انتقال من جهة إلى جهة، بل كان امتحانًا للإيمان، وتمييزًا بين أهل التسليم وأهل الاعتراض، وإظهارًا لفضل هذه الأمة ووسطيتها.

فقال سبحانه:
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾.

أخبر الله نبيه قبل وقوع الحدث بما سيقوله السفهاء، وفي هذا دليل على صدق القرآن، فقد وقع الأمر كما أخبر.

والسفهاء هم خفاف العقول الذين لا ينظرون إلى حكمة الله، ومنهم اليهود والمنافقون والمشركون، فاعترضوا على تحويل القبلة، وجعلوا ذلك مدخلًا للطعن، مع أن المؤمن يعلم أن الله يفعل ما يشاء بحكمة وعدل.

فجاءهم الجواب الإلهي:
﴿قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾.

أي جميع الجهات ملك لله، فلا قداسة لجهة لذاتها، وإنما شرفها أن الله أمر بالتوجه إليها.

فالكعبة شريفة لأن الله شرفها، وبيت المقدس كان قبلة لأن الله أمر بذلك في وقت من الأوقات، فلما أمر بالتوجه إلى الكعبة صار الواجب امتثال أمره.

ولهذا قال:
﴿يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.

أي يهدي من يشاء إلى التسليم لأوامره، وإن خفيت حكمتها، فالمؤمن الصادق يقول عند الأمر والنهي: سمعنا وأطعنا.

ثم قال سبحانه:
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾.

أي كما هديناكم إلى القبلة الكاملة، جعلناكم أمة عدل وخيارًا.

والوسط في لغة العرب هو الخيار والأفضل والأعدل.

فالإسلام وسط بين الغلو والتفريط، وبين الإفراط والتقصير، وبين الانحلال والتشدد، وبين إهمال الدنيا والانشغال بها عن الآخرة.

ثم بين الله الحكمة من هذه المنزلة فقال:
﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.

أي لتشهدوا يوم القيامة أن الرسل قد بلغوا أممهم رسالة الله، ويشهد عليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنكم آمنتم وبلغتم ما أمرتم به.

وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في تفسير هذه الشهادة: يدعى نوح فيقال: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه فيقال: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد. فيقال: من شهودك؟ فيقول: محمد وأمته. قال: فيؤتى بكم تشهدون أنه قد بلغ، فذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، والوسط: العدل.

فهذه منزلة عظيمة تقتضي أن تكون هذه الأمة قائمة بالحق، داعية إليه، شاهدة به في أقوالها وأعمالها.

ثم قال سبحانه:
﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾.

أي ما شرعنا استقبال بيت المقدس أولًا ثم تحويل القبلة إلى الكعبة إلا ليظهر للناس من يطيع الرسول طاعة مطلقة، ومن يتبع هواه، فيرتد أو يعترض.

وليس المراد أن الله يكتسب علمًا بعد جهل، تعالى الله عن ذلك، فهو سبحانه يعلم كل شيء قبل وقوعه، ولكن المراد: ليظهر هذا العلم في الواقع، فيتميز المؤمن من المنافق، والمطيع من المعترض.

ثم قال:
﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾.

أي كان تحويل القبلة أمرًا شاقًا على كثير من الناس؛ لأن النفوس تألف ما اعتادته، لكن أهل الهداية يقابلون أوامر الله بالتسليم والرضا.

ومن هنا يعلم المؤمن أن علامة صدق الإيمان ليست في فهم الحكمة دائمًا، وإنما في المبادرة إلى الامتثال.

ثم طمأن الله المؤمنين بقوله:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.

أي لا يضيع صلاتكم التي صليتموها إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة.

وقد ثبت عند أبي داود وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما: لما وجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قالوا: كيف بمن مات من إخواننا وهم يصلون نحو بيت المقدس؟ فأنزل الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.

وسمى الله الصلاة إيمانًا؛ لأنها أعظم أعمال الإيمان، وفي هذا دليل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان.

ثم ختم الآية بقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.

فمن رأفته سبحانه أنه لا يضيع عمل عامل، ولا يؤاخذ عباده بما فعلوه طاعة له قبل ورود النص اللاحق، بل يثيبهم على امتثالهم في كل حال.

فرب العالمين أرحم بعباده من أنفسهم، وتشريعاته كلها مبنية على الحكمة والرحمة والعدل.

رسائل الآيات إلى المسلم

الأولى: المؤمن يقدم أمر الله ورسوله على رأيه وعادته، ولا يعترض على أحكام الله.
الثانية: شرف الأماكن والأزمنة والأشخاص إنما هو بتشريف الله لها، لا بالعادات أو الأهواء.
الثالثة: الأمة الإسلامية أمة العدل والخيرية، فعليها أن تحقق هذا الوصف في عقيدتها وعبادتها وأخلاقها.
الرابعة: الابتلاء سنة إلهية لتمييز أهل الصدق من أهل النفاق، فلا يستغرب المؤمن وقوع الاختبارات.
الخامسة: من أعظم علامات الإيمان سرعة الاستجابة لأمر الله ولو خالف المألوف.
السادسة: لا يضيع الله عملًا عمله العبد بإخلاص واتباع، ولو تغير الحكم.
السابعة: رحمة الله بعباده أعظم من أن يضيع طاعتهم، فهو سبحانه رؤوف رحيم، يقبل الأعمال ويجزي عليها أوفى الجزاء.

إن هذه الآيات تعلم المؤمن أن حقيقة العبودية ليست في التعلق بالجهات أو العادات، وإنما في متابعة أمر الله حيثما توجه، وأن الأمة التي شرفها الله بالوسطية لا تستحق هذا الشرف إلا إذا أقامت العدل، وتمسكت بالوحي، وسلمت لأحكام ربها، وأن كل تشريع إلهي إنما هو قائم على الحكمة والرحمة، وإن خفيت حكمته على بعض الناس.

معاني مفردات الآيات

السفهاء: خفاف العقول الذين لا يحسنون النظر في الحقائق.
ما ولاهم: ما صرفهم وحولهم.
القبلة: الجهة التي يتوجه إليها في الصلاة.
الصراط المستقيم: طريق الحق الموصل إلى رضا الله وجنته.
أمة وسطًا: أمة عدل وخيار، بعيدة عن الإفراط والتفريط.
شهداء على الناس: تشهد يوم القيامة أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم.
ينقلب على عقبيه: يرجع عن دينه أو يتراجع عن طاعة الرسول.
كبيرة: شاقة وثقيلة.
إيمانكم: صلاتكم التي صليتموها قبل تحويل القبلة.
رءوف رحيم: كثير الرأفة والرحمة بعباده.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام