الإثنين 5 صفر 1448 هـ || الموافق 20 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    نور القرآن - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم    ||    عدد المشاهدات: 18

الذلة ثمرة التمرد والغنى الحقيقي في طاعة الله

[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (19)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
﴿وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ۝٦٠ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ ۝٦١﴾.

بعد أن ذكّر الله بني إسرائيل بنعمه المتتابعة، ذكرهم هنا بنعمة عظيمة لا تقوم الحياة إلا بها، وهي نعمة الماء. فلما اشتد بهم العطش في أرض التيه، لم يتركهم ربهم للهلاك، بل استجاب لدعاء نبيه موسى عليه السلام، فأخرج لهم الماء من حجر صلد لا حياة فيه، ثم لم يكتف بذلك، بل جعل لكل سبط عينًا خاصة؛ حتى لا يقع بينهم نزاع ولا تزاحم.

ثم أمرهم أن يتمتعوا برزقه، وأن يقابلوا نعمته بالطاعة، لا بالإفساد في الأرض.

قال تعالى:
﴿وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ۝٦٠﴾.

تأمل كيف جعل الله خروج الماء من الحجر آية ظاهرة على كمال قدرته؛ فالحجر الذي لا يخرج منه شيء، أصبح ينبوعًا متدفقًا بأمر الله، ليعلم العباد أن خزائن الرزق ليست مرتبطة بالأسباب وحدها، وإنما هي بيد رب الأسباب.

ثم إن الله قسم الماء بينهم تقسيمًا عادلاً، فعرف كل سبط مورده، فلا خصومة، ولا ازدحام، ولا اعتداء. وهكذا يعلمنا القرآن أن الشريعة جاءت بحفظ الحقوق، ومنع أسباب النزاع، وإقامة العدل بين الناس.

ثم قال: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، فجمع لهم بين الإباحة والنهي؛ أباح لهم الانتفاع بالنعم، ونهى عن استعمالها في معصيته.

فليس الشكر أن تتمتع بالنعمة فقط، وإنما أن تستعملها فيما يرضي المنعم.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها).

فالحمد يحفظ النعم، والمعصية تمحق بركتها، وما أكثر من أنعم الله عليهم، فلما قابلوا النعمة بالبطر زالت عنهم.

ثم قال سبحانه:

﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ ۝٦١﴾.

لم يشكروا المن والسلوى، وهو طعام كريم يأتيهم من عند الله بلا تعب ولا كلفة، وإنما ملّوا النعمة، واشتهوا أطعمة الأرض التي ينالها كل أحد، فقال لهم موسى عليه السلام موبخًا: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾.

وهذه طبيعة من امتلأ قلبه بالدنيا؛ يزهد فيما عند الله، ويعظم ما في أيدي الناس، ويبيع النفيس بالخسيس، والعالي بالسافل.

ثم جاءت العقوبة التي توافق الجريمة؛ فضربت عليهم الذلة والمسكنة، وباؤوا بغضب من الله؛ لأنهم لم يكونوا أصحاب ذنب عارض، بل كان تاريخهم مليئًا بالكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء، والتمرد على أوامر الله، والاعتداء على حدوده.

إن الذلة ليست قدرًا ينزل بالأمم من غير سبب، وإنما هي ثمرة الإعراض عن الله، وكثرة المعاصي، والاستهانة بالوحي، ومخالفة الرسل.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند احمد وغيره: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم).

فالرجوع إلى الله هو طريق العزة، كما أن الإعراض عنه طريق الهوان، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾.

وتعلمنا هذه الآيات أن نعم الله لا تحفظ إلا بالشكر، وأن كثرة التذمر تحرم البركة، وأن الإنسان قد يخسر أعظم النعم إذا انشغل بالشهوات الصغيرة، وأن العزة الحقيقية ليست بكثرة المال والطعام، وإنما بطاعة الله، وأن المعاصي إذا تراكمت أورثت أصحابها الذلة في الدنيا قبل الآخرة.

 

رسائل الآيات إلى المسلم

الأولى: إذا ضاقت بك الأسباب، فثق أن الله قادر أن يفتح لك أبواب الفرج من حيث لا تحتسب.
الثانية: اشكر نعم الله، فإن الشكر سبب دوامها وزيادتها.
الثالثة: لا تستبدل هداية الله ولذة الطاعة بشهوات زائلة.
الرابعة: التذمر من نعم الله خلق مذموم يحرم العبد بركتها.
الخامسة: العزة ثمرة الإيمان والاستقامة، والذلة ثمرة المعصية والتمرد.
السادسة: احذر أن تقودك الشهوة إلى احتقار نعم الله.
السابعة: صلاح الأمم يبدأ بطاعة الله، وفسادها يبدأ بالعصيان والاعتداء.

لقد بينت هذه الآيات أن الله هو الرزاق الكريم، وأن من عرف قدر نعمه عاش شاكرًا مطمئنًا، ومن قابل الإحسان بالجحود، والطاعة بالتمرد، استحق الذلة وغضب الله. وهي رسالة خالدة لكل مسلم أن يحفظ نعم الله بالشكر، وأن يجعل رضاه سبحانه أعظم مطلوب، فإن العزة كل العزة في طاعته، والهوان كل الهوان في معصيته.

 

معاني مفردات الآيات

استسقى: طلب السقيا والماء.
انفجرت: انشقت بقوة وخرج منها الماء بغزارة.
مشربهم: الموضع الذي يشرب منه كل سبط.
لا تعثوا: لا تفسدوا فسادًا شديدًا.
بقله: ما ينبت من الخضروات والنباتات.
قثائها: الخيار ونحوه.
فومها: الحنطة أو الثوم، وكلا القولين مشهور عند المفسرين.
أدنى: أقل منزلة وأضعف قدرًا.
الذلة: الهوان والصغار.
المسكنة: الفقر والافتقار والمهانة.
باءوا: رجعوا واستحقوا.
يعتدون: يتجاوزون حدود الله.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام