السبت 17 صفر 1448 هـ || الموافق 1 غشت 2026 م


قائمة الأقسام   ||    نور القرآن - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم    ||    عدد المشاهدات: 5

أعظم النعم: بعثة الرسول ودوام ذكر الله

[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (50)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ۝١٥١ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ۝١٥٢﴾.

بعد أن بين الله تعالى أنه أتم نعمته على المؤمنين بتحويل القبلة وهدايتهم إلى الصراط المستقيم، ذكر أعظم النعم على الإطلاق، وهي بعثة خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، إذ لا نعمة بعد نعمة الإيمان أعظم من إرسال رسول يهدي إلى الحق، ويخرج الناس من ظلمات الكفر والجهل إلى نور التوحيد والعلم، ثم بين أن شكر هذه النعمة يكون بذكره سبحانه وطاعته، لا بالغفلة عنه وكفران إحسانه.

قال سبحانه:
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ﴾.

أي كما أنعمنا عليكم بتحويل القبلة وإتمام النعمة، فقد أنعمنا عليكم قبل ذلك بأعظم نعمة، وهي إرسال رسول من جنسكم، تعرفون نسبه، ولغته، وصدقه، وأمانته، فتفهمون عنه، وتأخذون منه، ولا تكون لكم حجة في ترك اتباعه.

وقد امتن الله بذلك في موضع آخر فقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾.

ثم بين وظائف هذا الرسول العظيم فقال:
﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾.

أي يقرأ عليكم القرآن كما أنزله الله، يبلغ ألفاظه، ويقيم حروفه، ويؤديه كما أوحي إليه، ليكون القرآن أصل الهداية ومنبع الإيمان.

ثم قال:
﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾.

أي يطهر قلوبكم من الشرك، والنفاق، والكبر، والحسد، وسائر أمراض القلوب، ويزكي أعمالكم وأخلاقكم، حتى تنتقلوا من حياة الجاهلية إلى حياة الإيمان.

فالعلم وحده لا يكفي، بل لا بد أن يثمر صلاحًا واستقامة.

ثم قال:
﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.

فالكتاب هو القرآن العظيم، والحكمة هي السنة النبوية عند جمهور المفسرين، لأنها المبينة للقرآن، والمفسرة لأحكامه، والموضحة لمراد الله.

وفي هذا دليل ظاهر على أن السنة وحي من الله يجب اتباعه، كما يجب اتباع القرآن.

قال تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ۝٣ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.

وقد جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله).

وثبت عند بعض أهل السنن وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه).

فدل ذلك على أن السنة بيان للقرآن، ومصدر ثان للتشريع.

ثم قال سبحانه:
﴿وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾.

وهذا يشمل كل ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم أمته من العقائد، والعبادات، والأخلاق، والمعاملات، وأخبار الغيب، وآداب الحياة.

فما من خير إلا دل الأمة عليه، وما من شر إلا حذرها منه.

وقد جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم).

ثم لما ذكر نعمته عليهم، أرشدهم إلى سبب دوامها فقال:
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾.

وهذه من أعظم آيات الرجاء في القرآن.

فإذا ذكر العبد ربه بلسانه، وقلبه، وجوارحه، ذكره الله في الملأ الأعلى، وأثنى عليه، وأعانه، ووفقه، وحفظه.

وقد جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه:
(أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم).

فأي شرف أعظم من أن يذكرك رب العالمين؟

ثم قال سبحانه:
﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾.

أي اشكروا نعمتي باستعمالها في طاعتي، ولا تقابلوها بالجحود أو المعصية.

وليس الشكر قولك: الحمد لله، بل هو أيضا اعتراف القلب بالنعمة، وثناء اللسان بها، واستعمال الجوارح فيما يرضي الله.

قال بعض السلف: الشكر هو ألا يستعان بنعمة الله على معصيته.

وقد وعد الله الشاكرين بالمزيد فقال:
﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.

فكل نعمة تحفظ بالشكر، وكل نعمة يعرضها العبد للزوال إذا قابلها بالكفران.

إن هذه الآيات ترسم للمؤمن طريق الهداية كاملًا؛ يبدأ باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم تزكية النفس، ثم تعلم القرآن والسنة، ثم دوام ذكر الله وشكره، فمن جمع هذه الأصول فقد أخذ بأسباب السعادة في الدنيا والآخرة.

رسائل الآيات إلى المسلم

الأولى: أعظم نعمة بعد الإيمان هي بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فمن عرف قدرها عظمت محبته واتباعه له.
الثانية: وظيفة القرآن ليست التلاوة فقط، بل أن يزكي النفوس، ويقيم الأخلاق، ويغير السلوك.
الثالثة: لا يستغني المسلم عن السنة، فهي بيان القرآن، وبها تكتمل الهداية.
الرابعة: العلم النافع هو الذي يثمر عملًا، وإلا كان حجة على صاحبه.
الخامسة: ذكر الله من أعظم أسباب معية الله الخاصة، وحفظه، وتوفيقه، وطمأنينة القلب.
السادسة: الشكر سبب لدوام النعم وزيادتها، والمعصية من أعظم أسباب زوالها.
السابعة: من أكثر من ذكر الله في الدنيا، كان أقرب إلى ربه، وأعظم نصيبًا من رحمته وفضله.

معاني مفردات الآيات

رسولًا منكم: من جنسكم، تعرفون نسبه ولغته وصدقه.
يتلو عليكم آياتنا: يقرأ عليكم القرآن ويبلغه كما أنزل.
يزكيكم: يطهركم من الشرك والذنوب ورذائل الأخلاق، وينمي فيكم الإيمان والفضائل.
الكتاب: القرآن الكريم.
الحكمة: السنة النبوية، وما تضمنته من العلم والفقه.
ما لم تكونوا تعلمون: ما علمكم الله على لسان رسوله من أمور الدين والدنيا.
فاذكروني: اذكروني بقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم.
أذكركم: أثن عليكم، وأرحمكم، وأوفقكم، وأحفظكم.
واشكروا لي: اعترفوا بنعمي، واستعملوها في طاعتي.
ولا تكفرون: لا تجحدوا نعمي، ولا تستعينوا بها على معصيتي.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام