الإثنين 5 صفر 1448 هـ || الموافق 20 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    نور القرآن - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم    ||    عدد المشاهدات: 15

أصحاب السبت، والتحذير من التحايل على شرع الله

[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (21)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ۝٦٥ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ۝٦٦ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ۝٦٧﴾.

بعد أن ذكَّر الله بني إسرائيل بمواثيقهم التي نقضوها، أعقب ذلك بذكر نموذجين عظيمين من نماذج انحرافهم:

 الأول: التحايل على أوامر الله.

والثاني: سوء الأدب مع أنبيائه وكثرة الجدل في أوامره.

وكلاهما يكشف أن أعظم ما يفسد القلوب ليس الجهل المجرد، وإنما معرفة الحق ثم الالتفاف عليه أو الاعتراض عليه.

افتتحت الآيات بقوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ۝٦٥﴾.

كان الله قد حرَّم على بني إسرائيل الصيد يوم السبت ابتلاءً لهم، فاحتال المعتدون منهم على هذا الحكم، فنصبوا الشباك قبل السبت، وجمعوا السمك بعده، وظنوا أنهم بذلك قد أفلتوا من حكم الله، فجعلوا الحيلة طريقًا إلى استحلال الحرام.

وهنا تتجلى حقيقة خطيرة؛ وهي أن التحايل على أوامر الله لا يغيِّر حقيقتها، فالله لا ينظر إلى الصور الظاهرة وحدها، بل يعلم المقاصد والنيات، ومن أراد إسقاط التكليف بالحيل فقد جمع بين المعصية والاستهانة بشرع الله.

ولذلك جاءت العقوبة شديدة تناسب جرمهم، فقال سبحانه: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾، فمسخهم الله مسخًا حقيقيًا؛ لأنهم لما بدلوا شرعه بالحيل، عوقبوا بمسخ صورهم، جزاءً وفاقًا.

ثم قال سبحانه:
﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ۝٦٦﴾.

أي جعل الله هذه العقوبة عبرةً لمن شاهدها، وعظةً لمن جاء بعدها، فلا يظن أحد أن سنن الله تختص بأمة دون أمة، بل من سلك سبيلهم في التحايل على دين الله استحق من الوعيد بقدر جرمه.

ولهذا كانت هذه القصة باقية في القرآن تتلى إلى يوم القيامة؛ لأن الأمة لا تزال بحاجة إلى التحذير من تلبيس الشيطان، الذي لا يبدأ غالبًا بدعوة الناس إلى ترك الدين، وإنما يدعوهم إلى تغيير أسمائه، وتبديل حقائقه، والتماس المخارج الباطلة لاستباحة ما حرم الله.

ثم انتقلت الآيات إلى لون آخر من الانحراف، فقال تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ۝٦٧﴾.

كان الواجب إذا بلغهم أمر الله أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، ولكن سوء الأدب حملهم على مقابلة نبيهم بالتهمة، فقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾، فاتهموا رسولًا كريمًا بالسخرية، مع أن الأنبياء أعظم الناس تعظيمًا لله، وأصدقهم في تبليغ وحيه.

فجاء جواب موسى عليه السلام في غاية الأدب: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾؛ لأن الاستهزاء بالناس خلق الجهال، وأما الأنبياء فهم أبعد الناس عنه.

ثم إن هذه الآية تمهد لما سيأتي بعدها من كثرة أسئلتهم واعتراضاتهم حتى شددوا على أنفسهم، ولو أنهم بادروا إلى الامتثال من أول مرة لكفاهم أي بقرة.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم).

وهكذا يعلمنا القرآن أن التسليم لله أصل العبودية، وأن كثرة الجدل بغير حاجة قد تكون سببًا في المشقة والحرمان، وأن المؤمن إذا جاءه أمر الله أو أمر رسوله تلقاه بالقبول والانقياد، لا بالتشكيك والاعتراض.

 

رسائل الآيات إلى المسلم

الأولى: الحيل لا تحول الحرام إلى حلال، وإنما تزيد صاحبها إثمًا إذا قصد بها إسقاط شرع الله.
الثانية: من استهان بأوامر الله عرَّض نفسه لعقوبته، فالله لا تخفى عليه المقاصد.
الثالثة: قصص القرآن ليست للتاريخ فقط، بل هي مواعظ باقية لكل جيل.
الرابعة: حسن الأدب مع الله ورسوله والأنبياء من أعظم علامات الإيمان.
الخامسة: الواجب عند سماع أمر الله المبادرة إلى الامتثال، لا الإكثار من الجدل والاعتراض.
السادسة: كثرة الأسئلة التي يقصد بها التعنت والتكلف سبب للمشقة والحرمان.
السابعة: التقوى الحقيقية هي تعظيم أوامر الله ظاهرًا وباطنًا، لا البحث عن الحيل للفرار منها.

لقد كشفت هذه الآيات أن فساد القلوب يبدأ حين يضعف تعظيم أمر الله، فيستبدل الناس الامتثال بالحيل، والتسليم بالجدل، وأن النجاة كل النجاة في الصدق مع الله، وتعظيم حدوده، والمسارعة إلى طاعته، فإن من عظَّم أمر الله عظَّمه الله، ومن تلاعب بشرعه لم يأمن أن يصيبه من العقوبة ما يكون عبرةً لغيره.

 

معاني مفردات الآيات

اعتدوا: تجاوزوا حدود الله وخالفوا أمره.
السبت: اليوم الذي حرم الله على بني إسرائيل الصيد فيه.
خاسئين: أذلاء صاغرين مبعدين.
نكالًا: عقوبة وزجرًا وعبرة لغيرهم.
لما بين يديها وما خلفها: لمن حضرها ومن جاء بعدهم.
موعظة: تذكرة وزجر ينتفع بها أهل التقوى.
هزوًا: سخرية واستهزاء.
الجاهلين: الذين تصدر منهم الأقوال والأفعال المخالفة للحكمة والحق.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام