الأربعاء 14 صفر 1448 هـ || الموافق 29 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    نور القرآن - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم    ||    عدد المشاهدات: 7

صبغة الله، والبراءة من التقليد الأعمى، وعدل الله في الجزاء

[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (45)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
﴿صِبْغَةَ اللَّهِۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةًۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ۝١٣٨ قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ۝١٣٩ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىۗ قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُۗ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ۝١٤٠ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ۝١٤١﴾.

بعد أن بين الله أن دينه هو دين جميع الأنبياء، وأن الهداية في اتباع الوحي لا في الانتساب إلى الطوائف، ختم هذا السياق ببيان حقيقة الدين الذي يرضاه لعباده، وأنه صبغة الله التي تميز المؤمن عن غيره، ثم أبطل دعاوى أهل الكتاب، وقرر قاعدة عظيمة في العدل الإلهي، وهي أن كل إنسان يحاسب بعمله، لا بانتسابه إلى آبائه وأجداده.

فقال سبحانه:
﴿صِبْغَةَ اللَّهِۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾.

أي الزموا دين الله الذي فطر الناس عليه، فهو الصبغة الحقيقية التي تصبغ القلوب بالإيمان، والنفوس بالتقوى، والأعمال بالإخلاص.

وسميت الشريعة صبغة لأنها تظهر آثارها على صاحبها كما يظهر أثر الصبغ على الثوب؛ فالمؤمن الحق يعرف بصدق إيمانه، وحسن خلقه، واستقامته، وخشيته لله.

قال بعض السلف: صبغة الله هي دين الله.

وليس المقصود لونًا يصبغ به الجسد، وإنما نور الإيمان الذي يصبغ القلب، حتى يظهر أثره على الجوارح والأخلاق.

ثم قال:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾.

أي لا دين أكمل من دين الله، ولا هدى أتم من هداه، ولا شريعة أصلح للخلق من شريعته.

ثم أعلن المؤمنون غاية وجودهم فقالوا:
﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾.

أي نخصه وحده بالعبادة، فلا نشرك معه أحدًا، ولا نصرف شيئًا من العبادة لغيره.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري ومسلم:
(حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا).

فهذه هي الصبغة التي يريدها الله لعباده: توحيد خالص، وعبادة صادقة، واستسلام كامل.

ثم قال سبحانه:
﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾.

أي أتجادلوننا في شأن الله، وتزعمون أنكم أولياؤه دون غيركم، مع أنه رب الجميع وخالق الجميع؟

فليس أحد أحق بالله بسبب نسب أو قومية أو طائفة، وإنما الفضل بالتقوى والإيمان.

ثم قال:
﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾.

أي لكل فريق عمله الذي سيحاسب عليه، فلا يحمل أحد ذنب غيره، ولا ينفع أحد عمل غيره إلا ما شرعه الله.

ثم قال:
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾.

أي نخلص العبادة لله وحده، لا نريد بها سمعة ولا رياء، ولا نتقرب بها إلى غيره.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم:
(إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).

ثم انتقل السياق إلى إبطال دعوى أخرى من دعاوى أهل الكتاب فقال:
﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾.

وهذا من أعجب الباطل؛ فإن هؤلاء الأنبياء كانوا قبل نزول التوراة والإنجيل بقرون طويلة، فكيف يكونون يهودًا أو نصارى؟

ولهذا جاء الرد القاطع:
﴿قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾.

أي الله أخبر أنهم كانوا مسلمين موحدين، فهل علمكم أصدق من خبر الله؟

وفي هذا تعليم للمؤمن أن يقدم نصوص الوحي على كل رأي، وأن لا يعارض كلام الله بعادة أو تقليد أو هوى.

ثم قال سبحانه:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ﴾.

أي لا أحد أشد ظلمًا ممن علم الحق ثم أخفاه، أو عرف الدليل ثم كتمه اتباعًا للهوى أو خوفًا على دنيا.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند الترمذي وغيره:
(من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار).

فكتمان الحق من أعظم أسباب غضب الله، سواء كان في العقيدة أو الأحكام أو الشهادة.

ثم ختم الآية بقوله:
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.

أي لا يخفى عليه كتمان الكاتمين، ولا صدق الصادقين، وسيجازي كل إنسان بعدله.

ثم ختم هذا السياق كله بقوله:
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

أي مضى الأنبياء والأمم السابقة إلى ربهم، فنالوا جزاء أعمالهم، وأنتم مسؤولون عن أعمالكم لا عن أعمال غيركم.

فلا يغتر أحد بانتسابه إلى صالح، ولا ييأس بسبب تقصير غيره.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:
(من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه).

فالعبرة عند الله بالإيمان والعمل الصالح، لا بالأسماء، ولا بالأحساب، ولا بالألقاب.

رسائل الآيات إلى المسلم

الأولى: أجمل صبغة يتزين بها العبد هي صبغة الإيمان والتوحيد والاستقامة.
الثانية: العبادة لا تقبل إلا إذا كانت خالصة لله، بعيدة عن الرياء والشرك.
الثالثة: لا يجوز تقديم قول أحد على نصوص القرآن والسنة، فالله أعلم بخلقه من جميع الناس.
الرابعة: كتمان الحق بعد معرفته من أعظم الظلم، والعالم مؤتمن على بيان العلم.
الخامسة: لا يغتر المؤمن بنسبه أو تاريخ آبائه، وإنما يحرص على عمله الذي يلقى الله به.
السادسة: كل إنسان مسؤول عن نفسه، فلا يحمل ذنب غيره، ولا ينفعه إلا إيمانه وعمله.
السابعة: من لازم الإخلاص والصدق في عبادة الله صبغه الله بصبغة الإيمان، فظهر أثرها على قوله وفعله وخلقه.

إن هذه الآيات تغرس في القلب أن شرف الإنسان ليس في اسمه ولا نسبه ولا انتسابه، وإنما في صدق إيمانه وإخلاصه لله، وأن الأنبياء جميعًا كانوا على التوحيد، وأن من كتم الحق أو عارض الوحي فقد ظلم نفسه، وأن الميزان يوم القيامة هو العمل الصالح، فلا ينفع عبدًا إلا ما قدمه بين يدي ربه.

معاني مفردات الآيات

صبغة الله: دين الله والإيمان الذي يصبغ القلوب بالتوحيد والطاعة.
عابدون: موحدون لله، مخلصون له العبادة.
أتحاجوننا: أتجادلوننا وتخاصموننا.
الأسباط: قبائل بني إسرائيل، والمراد أنبياؤهم ومن أنزل عليهم.
شهادة عنده من الله: ما عنده من العلم والحق الذي شهد الله به في كتبه.
قد خلت: مضت وانقضت.
لها ما كسبت ولكم ما كسبتم: لكل أمة جزاء أعمالها، ولكل إنسان عمله الذي يحاسب عليه.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام