رؤية السماء واستجابة الدعاء
[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (47)]
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
قال الله تعالى:
﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ١٤٤ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ۚ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ١٤٥﴾.
بعد أن بين الله أن تحويل القبلة كان ابتلاء وتمحيصًا، كشف في هاتين الآيتين عن جانب عظيم من رحمته بنبيه صلى الله عليه وسلم، إذ استجاب لما كان يتمناه، وأكرمه بتحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة، ثم بين أن أهل الكتاب ليسوا أهل طلب للحق، وإنما يتبع كثير منهم الأهواء، فلا ينبغي للمؤمن أن يجعل رضا الناس غايته، وإنما غايته اتباع الوحي.
افتتح الله الآية بقوله:
﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر رفع بصره إلى السماء ينتظر نزول الوحي، محبة لأن تكون قبلته الكعبة، قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام، ولم يكن يتكلم بذلك، وإنما كان ينتظر أمر ربه.
فجاءه الجواب الكريم:
﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾.
وهذا من أعظم مظاهر تكريم الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، فقد أعطى الله ما يحبه رسوله مما فيه الخير والحكمة، فحول القبلة إلى المسجد الحرام.
وفي هذا دليل على عظيم منزلة النبي صلى الله عليه وسلم عند ربه، وأن الله يعلم ما في قلب عبده الصالح قبل أن ينطق به.
ثم قال سبحانه:
﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
أي استقبل جهة المسجد الحرام في صلاتك.
ولفظ "شطر" معناه جهة المسجد الحرام، وليس المقصود إصابة عين الكعبة لمن كان بعيدًا عنها، وإنما استقبال جهتها.
ثم عمم الحكم على جميع الأمة فقال:
﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
فلم يعد الحكم خاصًا بالنبي صلى الله عليه وسلم، بل صار فرضًا على كل مسلم في كل زمان ومكان إذا قام إلى الصلاة.
ثم قال سبحانه:
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾.
أي يعلم علماؤهم أن تحويل القبلة حق، وأنه مذكور في كتبهم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم هو النبي الموعود، ولكن كثيرًا منهم كتموا الحق حسدًا واستكبارًا.
ولهذا ختم الآية بقوله:
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.
فالله مطلع على ما يخفونه وما يظهرونه، وسيحاسبهم على كتمان الحق وتحريفه.
ثم قال سبحانه:
﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾.
أي لو جئتهم بكل دليل وبرهان ومعجزة، فإن المعاند الذي اتبع هواه لا تنفعه الآيات.
فليست المشكلة دائمًا في قوة الدليل، وإنما في فساد القلوب.
ثم قال:
﴿وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾.
أي لا يمكن أن يجتمع الحق والباطل، ولا يجوز للمؤمن أن يتنازل عن شيء من دينه طلبًا لرضا المخالفين.
بل إن أهل الباطل أنفسهم مختلفون متنازعون، فلا اليهود يتبعون النصارى، ولا النصارى يتبعون اليهود، وكل فريق يزعم أنه على الحق.
ثم ختم الله الآية بأشد التحذير فقال:
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
وهذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته؛ لأن الله عصمه من اتباع أهوائهم.
وفيه أعظم التحذير من تقديم أهواء الناس، أو رغباتهم، أو ضغوطهم، على ما جاء به الوحي.
وقد جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد).
فكل عبادة أو منهج أو رأي يخالف الوحي مردود على صاحبه مهما حسنت نيته.
وتدل الآيتان على أن المؤمن لا يجعل رضا الناس غايته، فإن الناس لن يجتمعوا على رضاه، وإنما يجعل غايته رضا الله، فمن أرضى الله رضي الله عنه، ومن التمس رضا الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئا.
رسائل الآيات إلى المسلم
الأولى: الله يعلم ما في قلب عبده المؤمن من الخير، وقد يحقق له ما يتمنى إذا كان فيه رضاه وحكمته.
الثانية: أعظم ما يميز المؤمن سرعة الامتثال لأوامر الله دون تردد أو اعتراض.
الثالثة: الحق لا يعرف بكثرة أتباعه، وإنما يعرف بدليله من كتاب الله وسنة رسوله.
الرابعة: صاحب الهوى قد لا ينتفع بأوضح الأدلة؛ لأن العائق في قلبه لا في البرهان.
الخامسة: لا يجوز للمؤمن أن يساوم على دينه أو يتنازل عن شيء من الحق لإرضاء الناس.
السادسة: اختلاف أهل الباطل فيما بينهم دليل على اضطرابهم، أما أهل الحق فمرجعهم الوحي.
السابعة: اتباع الهوى بعد معرفة الحق من أعظم أسباب الظلم والانحراف.
معاني مفردات الآيات
تقلب وجهك: كثرة رفع بصرك إلى السماء وانتظار الوحي.
قبلة ترضاها: الجهة التي تحبها وهي الكعبة المشرفة.
شطر المسجد الحرام: جهة المسجد الحرام.
أوتوا الكتاب: اليهود والنصارى.
الحق: الأمر الثابت الذي أوحاه الله.
بغافل: بساه أو جاهل، بل هو محيط بأعمالهم.
آية: برهان ودليل ومعجزة.
قبلة: الجهة التي يتوجه إليها في الصلاة.
أهواءهم: ما تميل إليه نفوسهم من غير هدى من الله.
الظالمين: الذين وضعوا الشيء في غير موضعه، وأعظم الظلم مخالفة أمر الله بعد قيام الحجة.