الخميس 29 صفر 1448 هـ || الموافق 13 غشت 2026 م


قائمة الأقسام   ||    نور القرآن - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم    ||    عدد المشاهدات: 9

اتباع الحلال، وترك خطوات الشيطان، وخطر التقليد الأعمى

[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (55)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ۝١٦٨ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ۝١٦٩ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ۝١٧٠ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ۝١٧١﴾.

بعد أن ذكر الله تعالى في الآيات السابقة آياته الدالة على وحدانيته، وحذر من اتخاذ الأنداد ومحبة غير الله، وبيّن حسرة من اتبعوا أهل الضلال يوم القيامة، انتقل هنا إلى بيان طريق النجاة في الدنيا؛ فأمر الناس جميعا أن يأكلوا من الحلال الطيب، وحذرهم من اتباع خطوات الشيطان، ثم كشف عن أصل من أعظم أسباب الانحراف، وهو رد الحق تقليدا للآباء والأسلاف، وختم بضرب مثل للكافرين الذين لا ينتفعون بالموعظة ولا يعقلون الحق.

فبعد أن حذر الله من اتباع المتبوعين في الباطل في الآيات السابقة، حذر هنا من اتباع الآباء والعادات بغير علم، ليعلم المؤمن أن الميزان ليس ما ألفه الناس، وإنما ما أنزله الله.

قال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾.

هذا نداء عام لجميع الناس، مؤمنهم وكافرهم، يأمرهم الله أن يأكلوا مما في الأرض مما أباحه الله، وأن يكون طيبًا في ذاته، طيبًا في كسبه، بعيدًا عن الحرام والخبيث.

فالإسلام لا يحرم على الإنسان الطيبات، وإنما يأمره أن ينتفع بنعم الله في حدود ما أحل الله.

قال تعالى:
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾.

وفي صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا).

فالحلال الطيب ليس أمرًا يتعلق بالطعام وحده، بل يدخل فيه المال والكسب والمطعم والمشرب، لأن ما ينبت عليه جسد الإنسان من الحرام له أثر في صلاح القلب والعمل.

ثم قال سبحانه:
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾.

لم يقل: لا تتبعوا الشيطان فقط، بل قال: ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾؛ لأن الشيطان غالبًا لا يدعو الإنسان إلى أعظم المعاصي دفعة واحدة، وإنما يأخذه خطوة بعد خطوة.

قد يبدأ بالأمر الصغير، ثم يتدرج إلى ما هو أعظم، حتى يألف العبد المعصية ويستهين بها.

ولهذا قال تعالى:
﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.

فالشيطان عدو واضح العداوة، لا يريد بالإنسان خيرًا، وإنما يريد إضلاله وإبعاده عن ربه.

قال تعالى:
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.

ومن أعظم صور عداوته أن يزين للإنسان الحرام، ويهون عليه المعصية، ويجعله يتدرج فيها حتى تصبح مألوفة عنده.

ثم قال سبحانه:
﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾.

أي إن الشيطان يأمر بالشر والمعاصي، وبالفواحش التي تستقبحها الفطر السليمة والشرائع.

فهو لا يريد للإنسان أن يخطئ فحسب، بل يريد أن يفسد عليه قلبه وسلوكه، وأن يجره من ذنب إلى ذنب.

ثم قال سبحانه:
﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.

وهذا أخطر من الوقوع في المعصية؛ لأن القول على الله بغير علم يتضمن نسبة الأحكام إلى الله بلا دليل.

فيقول الإنسان: هذا حلال، وهذا حرام، وهذا من الدين، وهذا ليس منه، وهو لا علم له بذلك.

ولهذا قرن الله القول عليه بغير علم بالسوء والفحشاء؛ لأن الكلام عن الله بغير علم من أعظم أبواب الضلال.

قال تعالى:
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾.

وفي صحيح البخاري قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار).

فإذا كان الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الوعيد، فالقول على الله بغير علم من أعظم ما ينبغي للمسلم أن يحذره.

ثم قال سبحانه:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.

أي إذا دعوا إلى اتباع القرآن والوحي، وترك ما يخالف الحق، لم يكن جوابهم طلب الدليل ولا البحث عن الحق، وإنما قالوا:
﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾.

أي ما وجدنا عليه آباءنا وأسلافنا.

وهذا هو التقليد الأعمى الذي يجعل عادة الآباء ميزانًا للحق والباطل.

وليس ذم القرآن لاتباع الآباء مطلقًا؛ فإن اتباع الوالدين في الحق والإحسان إليهما من الدين، وإنما الذم في جعل ما عليه الآباء حجة، ولو خالف الوحي.

ولهذا قال سبحانه:
﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾.

أي أتتبعونهم حتى لو كانوا لا يعقلون الحق ولا يعرفون طريق الهدى؟

فليس قدم العادة دليلًا على صحتها، وليس كثرة من يقول بالشيء دليلًا على أنه حق.

قال تعالى:
﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾.

فالحق يعرف بالدليل، لا بالآباء، ولا بالكثرة، ولا بالشعارات، ولا بما اعتاده الناس.

ثم ضرب الله تعالى مثلًا بليغًا لحال هؤلاء، فقال:
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾.

أي مثلهم في عدم الانتفاع بما يسمعون كمثل الراعي الذي يصيح بالبهائم، فهي تسمع صوتا ونداء، لكنها لا تفهم المعنى الذي يراد منها لفظيا.

فالمشكلة ليست في وصول الصوت، وإنما في عدم فهم المراد والانتفاع به.

وهكذا الكافر قد يسمع القرآن، ويسمع الموعظة، وتقام عليه الحجة، لكنه لا ينتفع بما يسمع لأنه أعرض عن الحق.

ثم قال:
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.

أي صم عن سماع الحق سماع قبول وانتفاع، وبكم عن النطق به، وعمي عن رؤية دلائله.

وليست هذه الآية نفيًا لحواسهم، وإنما وصف لحال قلوبهم؛ فقد يسمعون بأذانهم، ولكنهم لا ينتفعون بما يسمعون، ويرون بأعينهم، ولكنهم لا يعتبرون بما يرون.

قال تعالى:
﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.

وهنا يظهر الارتباط القوي بين الآيات الأربع؛ فقد بدأ الله بالأمر بالحلال الطيب، ثم حذر من خطوات الشيطان، ثم حذر من القول عليه بغير علم، ثم كشف عن التقليد الأعمى، ثم بيّن أن من أعرض عن الحق حتى صار لا ينتفع بالوحي يشبه من يسمع النداء ولا يفهم معناه.

فطريق الهداية هو أن يستجيب الإنسان للحق إذا ظهر له، وألا يجعل الشيطان أو العادة أو التقليد حاجزًا بينه وبين الوحي.

رسائل الآيات إلى المسلم

الأولى: احرص على الحلال الطيب في مطعمك ومشربك وكسبك؛ فإن طيب المطعم من أسباب صلاح القلب والعمل.
الثانية: لا تستهين بالمعصية الصغيرة؛ فإن الشيطان يجر الإنسان إلى الباطل خطوة بعد خطوة.
الثالثة: احذر أشد الحذر من القول على الله بغير علم، فلا تحرم أو تحلل أو تنسب حكمًا إلى الشرع إلا بعلم ودليل.
الرابعة: لا تجعل عادة الآباء أو المجتمع ميزانًا للحق؛ فالميزان هو ما أنزل الله، مع احترام الآباء والإحسان إليهم في غير معصية.
الخامسة: كثرة القائلين بالقول ليست دليلًا على صحته، والحق لا يعرف بالكثرة وإنما يعرف بالدليل.
السادسة: أعظم البلاء أن يسمع الإنسان الحق ولا ينتفع به، أو يراه ولا يعتبر به؛ فاسأل الله قلبًا حيًا ينتفع بالقرآن والموعظة.
السابعة: من أعظم أسباب الهداية أن تستمع إلى الوحي بعقل طالب للحق وقلب مستسلم لله، لا بعقل يبحث عن تبرير ما ألفه الإنسان من قبل.

وهكذا تعلمنا هذه الآيات أن طريق الهداية يبدأ من الحلال الطيب والاستجابة للوحي، وأن أعظم ما يقطعه هو اتباع خطوات الشيطان والقول على الله بغير علم والتقليد الأعمى؛ فالمؤمن لا يجعل العادة ولا الأشخاص ولا ما ألفه الناس ميزانًا للحق، وإنما يجعل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ميزانه، فإذا ظهر له الحق قبله وانقاد له، وبذلك يبقى قلبه حيًا ينتفع بآيات الله ومواعظه.

معاني مفردات الآيات

حلالًا: مباحًا أذن الله في تناوله والانتفاع به.
طيبًا: مستطابًا في ذاته، سالمًا من الخبث والحرام.
خطوات الشيطان: طرقه ومراحله التي يستدرج بها الإنسان إلى المعصية والضلال.
السوء: كل ما يسوء الإنسان من المعاصي والشرور.
الفحشاء: ما عظم قبحه من المعاصي.
تقولوا على الله ما لا تعلمون: تنسبوا إلى الله حكمًا أو قولًا بلا علم ولا دليل.
ألفينا: وجدنا وأدركنا.
يعقلون: يفهمون الحق ويدركونه بعقولهم.
يَنْعِقُ: يصيح وينادي.
دعاء ونداء: صوت يسمعونه ولا يفهمون معناه.
صم: معرضون عن سماع الحق سماع قبول وانتفاع.
بكم: لا ينطقون بالحق ولا يقرون به.
عمي: لا يبصرون دلائل الحق ولا يعتبرون بها.
لا يعقلون: لا يفهمون الحق فهمًا ينفعهم ولا ينتفعون بما يسمعون.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام