حقيقة البر: إيمان صادق، وبذل وإحسان، ووفاء بالعهد، وصبر عند الشدائد
[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (57)]
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
قال الله تعالى:
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ١٧٧﴾.
بعد أن بين الله تعالى في الآيات السابقة حقيقة الوحي، وحذر من كتمان الحق وشراء الضلالة بالهدى، وذم الاختلاف في الكتاب بعد قيام الحجة؛ انتقل هنا إلى بيان حقيقة البر الذي يريده الله من عباده، فبين أن البر ليس صورة ظاهرة أو اتجاها إلى جهة معينة، وإنما هو إيمان صحيح، وعقيدة راسخة، وعبادة قائمة، وإنفاق وإحسان، ووفاء بالعهد، وصبر عند الشدائد.
فجمع الله تعالى في هذه الآية أصولا عظيمة من الدين: الإيمان، والعبادة، والإحسان إلى الخلق، والوفاء، والصبر، ثم ختمها بالحكم على أصحاب هذه الصفات بأنهم الصادقون والمتقون.
قال سبحانه:
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾.
أي ليس البر كله في استقبال جهة من الجهات، مع أن استقبال القبلة عبادة عظيمة من عبادات الله، وإنما أراد الله تعالى أن يبين أن حقيقة الدين لا تقف عند المظاهر والأعمال الظاهرة إذا خلت من الإيمان الصحيح والعمل الصالح.
فليس المقصود أن استقبال القبلة ليس من البر، وإنما المقصود أن البر ليس مقصورا على ذلك، وأن العبادات الظاهرة لا بد أن تقوم على أساس من الإيمان والتسليم لله.
وهذا من أعظم ما تعلمه الآية للمؤمن: أن الدين ليس صورة يؤديها الإنسان بجوارحه، وإنما هو إيمان في القلب وعمل يظهر أثره على العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملة.
ثم قال سبحانه:
﴿وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾.
فبدأ الله تعالى بأصل الأصول، وهو الإيمان بالله.
والإيمان بالله هو أساس كل بر، فلا يستقيم عمل العبد ولا تصلح حياته إلا إذا عرف ربه وآمن به ووحده وأخلص له العبادة، وآمن بأسمائه وصفاته كما جاءت في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ثم ذكر الإيمان باليوم الآخر؛ لأن من أيقن بالبعث والحساب والجزاء لم يجعل الدنيا غايته، ولم يجعل المال والجاه والشهوة مقدمة على طاعة الله.
ولهذا كان الإيمان بالآخرة من أعظم ما يحمل الإنسان على الاستقامة؛ لأنه يعلم أن كل عمل سيعرض عليه، وأن ما يفعله في الدنيا سيجده يوم القيامة.
قال تعالى:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
ثم ذكر سبحانه الإيمان بالملائكة والكتاب والنبيين؛ ليبين أن المؤمن يؤمن بعالم الغيب الذي أخبر الله به، ويؤمن بكتب الله التي أنزلها، وبرسل الله جميعا، ولا يفرق بين رسل الله من حيث أصل الإيمان بهم.
وهذا مرتبط بما سبق من الحديث عن الكتاب؛ فالحق الذي أنزله الله لا يجوز أن يؤمن الإنسان ببعضه ويرد بعضه بحسب هواه، وإنما الواجب التسليم لما جاء من عند الله.
ثم قال تعالى:
﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾.
بعد أن ذكر الله تعالى أعمال القلب وعقيدة المؤمن، انتقل إلى أثر الإيمان في التعامل مع الخلق.
فالمؤمن الحقيقي لا يعيش لنفسه فقط، وإنما يحمل في قلبه رحمة للناس وإحسانا إليهم.
وقوله:
﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾.
أي بذل المال مع محبته له؛ لأن المال محبوب للنفوس، فإذا استطاع الإنسان أن يجود بما يحبه ابتغاء مرضاة الله، كان ذلك دليلا على قوة إيمانه.
قال تعالى:
﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
فليس البر أن يعطي الإنسان ما لا يحتاج إليه فقط، وإنما من أعظم البر أن يبذل مما يحبه ويحتاج إليه، ويقدم محبة الله على محبة المال.
ثم بدأ الله تعالى بالأقربين فقال:
﴿ذَوِي الْقُرْبَىٰ﴾.
فالإحسان إلى الأقارب يجمع بين الصدقة وصلة الرحم، ثم ذكر اليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين، وهم من أكثر الناس حاجة إلى الرحمة والرعاية.
ثم قال:
﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾.
أي في تحرير الرقاب وإعانة من يحتاج إلى الخلاص من الرق.
وهكذا يظهر أن الإيمان الصادق ليس فكرة في القلب فقط، وإنما له آثار عملية تظهر في رحمة الإنسان بالضعفاء، وإعانته للمحتاجين، وبذله مما رزقه الله.
ثم قال سبحانه:
﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾.
فبعد أن ذكر الإحسان إلى الخلق، ذكر أعظم العبادات المتعلقة بحق الله وحق المال.
فإقامة الصلاة دليل على صلة العبد بربه، والزكاة دليل على طهارة ماله وأداء حق الله فيه.
ولم يقل: (وصلى)، وإنما قال:
﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾.
لأن إقامة الصلاة أبلغ من فعلها؛ فهي المحافظة عليها، وأداؤها في أوقاتها، والقيام بأركانها وواجباتها، وإقامتها على الوجه الذي شرعه الله.
ثم قال:
﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾.
فالمال الذي في يد الإنسان ليس كله حقا خالصا له؛ بل جعل الله فيه حقا معلوما للفقراء والمستحقين.
وهكذا تجمع الآية بين حق الله في العبادة وحق العباد في الإحسان.
ثم قال تعالى:
﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾.
فمن حقيقة البر الوفاء بالعهد.
فالمؤمن لا يجعل العهود والمواثيق أمرا هينا.
فالصدق في المعاملة، والوفاء بالوعد، وحفظ العهد، وعدم الغدر؛ كلها من علامات البر والتقوى.
وهذا يدل على أن الأخلاق ليست أمورا هامشية في الدين، وإنما هي من حقيقة البر الذي أثنى الله على أهله.
ثم قال سبحانه:
﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾.
أي الصابرين في أوقات الشدة والحاجة، وعند المرض والمكروه، وفي وقت شدة القتال.
فالصبر من أعظم علامات صدق الإيمان؛ لأن الإنسان قد يكون صالحا في الرخاء، فإذا نزل به البلاء ظهر مقدار ما في قلبه من يقين وتسليم.
فالبأساء تتعلق بالشدة والفقر ونحو ذلك، والضراء بما يصيب الإنسان من مرض وأذى ومكروه، وحين البأس عند شدة القتال.
وفي ذلك تعليم للمؤمن أن البر لا يظهر فقط عندما تكون الحياة سهلة، وإنما يظهر في وقت الفقر، والمرض، والخوف، والشدائد.
ثم جاءت الخاتمة الجامعة:
﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾.
أي هؤلاء الذين جمعوا هذه الصفات هم الذين صدقوا في إيمانهم؛ لأن أعمالهم وافقت دعواهم.
فالصدق ليس أن يقول الإنسان: أنا مؤمن، وإنما أن يظهر أثر الإيمان في عقيدته وعبادته وإنفاقه وأخلاقه وصبره.
ثم قال:
﴿وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.
أي هؤلاء هم أهل التقوى؛ لأنهم قاموا بما أمر الله به، واجتنبوا ما نهاهم عنه، وجعلوا بينهم وبين سخط الله وعقابه وقاية بطاعته.
وهنا تظهر عظمة ختام الآية؛ فقد بدأ الله بذكر الإيمان، ثم ذكر أعمال القلب والمال والجوارح، ثم الوفاء والصبر، ثم حكم على أصحابها بحكمين عظيمين:
﴿صَدَقُوا، و﴿الْمُتَّقُونَ﴾.
فكأن الآية تبين أن الصدق ثمرة الإيمان، والتقوى ثمرة العمل بهذا الإيمان.
وهنا يظهر الترابط العجيب بين هذه الآية وما قبلها:
فالآيات السابقة حذرت من كتمان الحق، وشراء الضلالة بالهدى، والاختلاف في كتاب الله بسبب الهوى؛ وهذه الآية تبين صورة الإنسان الذي استجاب للحق استجابة صادقة، فلم يجعل الدين دعوى أو مظهرا، وإنما حول إيمانه إلى عبادة وإحسان ووفاء وصبر.
فالذي عرف الحق ثم اتبعه هو الصادق، والذي خضع لأمر الله واجتنب معصيته هو المتقي.
وهكذا تعلمنا الآية أن البر ليس جانبا واحدا من حياة المسلم؛ فلا يكفي الإيمان بلا عمل، ولا العبادة بلا أخلاق، ولا الإنفاق مع تضييع الصلاة، ولا كثرة الشعارات مع عدم الوفاء والصبر.
إنما البر اجتماع هذه المعاني في شخصية المؤمن: عقيدة صحيحة، وعبادة صحيحة، ورحمة بالخلق، وبذل للمال، ووفاء بالعهد، وصبر على البلاء.
رسائل الآية إلى المسلم
الأولى: لا تجعل الدين مظاهر وشعائر ظاهرة، بل اجعل وراء كل عبادة إيمانا صادقا وقلبا خاضعا لله.
الثانية: اعلم أن الإيمان بالله واليوم الآخر أصل البر، وأن يقينك بالآخرة ينبغي أن يظهر أثره في أعمالك وأخلاقك.
الثالثة: أنفق مما تحب، وأحسن إلى أقاربك واليتامى والمساكين والمحتاجين؛ فالمال الذي تبذله لله لا يضيع.
الرابعة: حافظ على الصلاة وأد الزكاة، واجمع بين حق الله وحق عباده.
الخامسة: كن وفيا بعهودك، فإن الوفاء من علامات صدق الإيمان، والغدر من أسباب فساد الأخلاق والدين.
السادسة: اصبر في الفقر والمرض والشدائد، فإن حقيقة الصدق تظهر عند البلاء لا عند الرخاء وحده.
السابعة: اجمع خصال البر كلها، ولا تكتف بخصلة وتترك أخرى؛ فالله ختم الآية بقوله: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.
تعلمنا هذه الآية أن البر ليس كلمة تقال، ولا مظهرا يراه الناس، وإنما هو حقيقة تسكن القلب وتظهر آثارها على حياة الإنسان كلها.
فالمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والرسل، ثم يترجم إيمانه إلى إحسان وبذل، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ويفي بالعهد، ويصبر عند الشدائد.
فإذا اجتمعت هذه المعاني في العبد كان من الذين صدقوا، وكان من أهل التقوى.
معاني مفردات الآية
البر: الخير والطاعة والإحسان، وهو اسم جامع لخصال الخير.
تولوا وجوهكم: تستقبلوا بوجوهكم وتتجهوا.
المشرق والمغرب: جهتا طلوع الشمس وغروبها، والمراد بيان الجهات.
آمن بالله: صدق بالله ووحده وأخلص له العبادة.
اليوم الآخر: يوم القيامة وما يكون فيه من بعث وحساب وجزاء.
الملائكة: خلق من خلق الله، عباد مكرمون، يؤمن المؤمن بوجودهم وما أخبر الله به عنهم.
الكتاب: كتب الله التي أنزلها على رسله، ويدخل فيها القرآن دخولا أوليا.
النبيين: رسل الله وأنبياؤه الذين أرسلهم لهداية خلقه.
على حبه: مع محبة المال، أو على حب الله، والمعنى يدل على قوة البذل والإيثار.
ذوي القربى: الأقارب.
اليتامى: من فقدوا آباءهم وهم صغار قبل البلوغ.
المساكين: أهل الحاجة الذين لا تكفيهم حاجتهم.
ابن السبيل: المسافر المنقطع المحتاج في سفره.
السائلين: المحتاجين الذين يسألون الناس ما يعينهم.
في الرقاب: في تحرير الأرقاء وإعانتهم على التخلص من الرق.
أقام الصلاة: أداها وحافظ عليها وأتى بها على الوجه المشروع.
آتى الزكاة: أخرج الزكاة المفروضة وأعطاها مستحقيها.
الموفون: الذين يؤدون ما التزموا به ولا ينقضون عهودهم.
عاهدوا: التزموا بعهد أو ميثاق.
البأساء: الشدة والفقر والمكروه.
الضراء: المرض والأذى وما يصيب الإنسان من ضرر.
حين البأس: وقت شدة القتال.
صدقوا: صدقوا في إيمانهم وأقوالهم وأعمالهم، فوافقت ما ادعوه من الإيمان.
المتقون: الذين اتقوا سخط الله وعقابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه.